الثلاثاء 23 كانون الثاني , 2024 10:25

النكبة بالعبريّة

لم تعد الصهيونية مشكلة كبرى لمن يواجهها في المنطقة منذ قرن ونيّف، من دول وشعوب وحركات مقاومة وتحرير فحسب؛ بل هي باتت مشكلة إسرائيلية عويصة، حيث تتصاعد حدّة الصراع أو النزاع المرير بين مختلف المكوّنات السياسية والدينية حول واقع ومآل الصهيونية العنصرية داخل الكيان الذي يعدّ نفسه "الوليد الشرعي" للحركة الصهيونية وحُماتها الغربيين.

وفي السياق تبرز أهمية هذا الكتاب الذي أعدّه إسرائيلي يساري "منفي" (يقيم في بلجيكا) مع زوجته المسلمة (واليهودية)، من أجل تعميم حملتهما الفكرية البحثية والميدانية الجديدة حول النكبة الفلسطينية من منظور إسرائيلي غير صهيوني، يرفض تجاهل الكارثة التي حلّت بالفلسطينيين، بل وتمجيدها تحت عنوان تحقيق "الاستقلال" الإسرائيلي.

ورد في تقديم الناشرين للكتاب أن خصوصية الحالة الإسرائيلية المزمنة تكمن في كونها أكثر تعقيداً من "أخواتها" (في المشهد الكولونيالي)، المُكتفيات بأكاذيب التنوير قناعاً لتجميل سرقة حياة الناس وأرضهم وثرواتهم. فهي تجمع بين ميزات الاستعمار والاحتلال والأبارتهايد في رزمة واحدة؛ وهي أيضاً حالة توسعيّة غير مُنجزة بعد؛ وهي تجمع بين احتراف الجَلْد واحتكار دور الضحيّة، وفيها -ومن خلالها- تهبط الأسطورة على جغرافيا فلسطين لتُجرّف التاريخ، وتُسفر عن هلاك بشري ومكاني وثقافي يشمل- إلى جانب محو الفلسطينيين- نفي تجربة اليهود العرب، ويهود العالم، واختطاف تمثيلهم، واحتقار لغاتهم وتراثهم وذاكرتهم العميقة في مجتمعاتهم الأصلية، وتجنيد عِبريّتهم في ارتكاب "نكبة لغوية".

ويبدو الكتاب - لمن يعرف المشهد الإسرائيلي جيّداً- تحليقاً خارج السرب؛ فهو يحكي حكاية تجربة سياسية جذرية لكاتبيْه، تجسّدت في عملهما من خلال مؤسسة "ذاكرات"، في مواجهة طمس النكبة (الفلسطينية) إسرائيلياً، عبر مواجهة المجتمع المستعمِر بوقائعها والعمل على جعْله يعيد اكتشاف الحيّز عبر شظاياها المتناثرة في كلّ مكان.

هذا مع العلم بأن خصوصية الحالة الكولونيالية الإسرائيلية المركّبة والمزمنة تُحاصر فرص إنتاج مشاريع معرفية وسياسية تفحص التجربة من الداخل الكولونيالي بمنظور أخلاقي منفتح على أدوات إنسانية رحيبة، وتترك بصمتها على نوعيّة المُنتج الانتقادي. لذا نراه يمتاز بمحدوديّة على مستوى الكمّ عندما يتعلق الأمر بفلسطين ونكبتها، ومن حيث النوع بقفزه عن الحدث المؤسّس "النكبة"، وبانطلاق معظمه من الحرص على مصلحة القبيلة الإثنية وحاجة تلفيقاتها للصيانة المستمرة؛ ثم إنه يتناول الماضي مقطوعًا عن الحاضر؛ وبالتالي يبدو الاعتراف بالذنب، مثلًا، آليّة تَطَهُّر تُعبّر عن ترف الإمبراطورية واطمئنانها، وليس عن فاعلية سياسية منحازة أخلاقيًا للضحايا.

أما مؤلّفا الكتاب، فيشيران إلى أن فعل الكتابة الذي قاما به هو تعبير عن عملية تفكيك للاستعمار يودّان إبرازها. وقد قال أحد القرّاء إنّ الكتاب عبارة عن كتيّب إرشادي حول عملية تفكيك بُنية "إسرائيل" الاستعمارية؛ وتلك قراءة دقيقة، كما يرى المؤلّفان، لأنّ هذا النص كُتب من الداخل، من جوف اللغة العبريّة، وهي -ربّما- المُنتَج الصهيوني الأهم.

وتوضِح إليونور، في سياق حوارها مع إيتان (زوجها)، أنّ "الكتاب سياسي بالدرجة الأولى-رغم أنه يتيح مساحة أكبر لحوار شخصي- وأيضاً عائلي إن صحّ التعبير؛ فكتابة هذه السطور جزء منسوج من تجربتي الخاصة، حيث إنها تطلّعات انبثقت من المسيرة الشخصية والنضالية التي خُضتها بصورة ما ضدّ التيّار كيهودية (لجهة والدتها)، وكمسلمة ناشطة في صفوف اليسار الفرنسي "الجذري". ويردّ إيتان بأنه وإليونور أرادا "أن يحكِيا قصص شريكي حياة وعمل ونضال؛ إنه لقاء بين شخصين فاعلين، بين حساسيّتين وثقافتين".

في ثنايا فصول الكتاب الأحد عشر، وردت أفكار وإحصائيات وخرائط وتجارب غنيّة للمؤلّفيْن (على شكل حوارات ثنائيّة شيّقة)، نقتبس منها ما يأتي:

-يتحدّث المؤلّفان عن مؤسّسة "ذاكرات" التي وُلِدت في سياق مجهود ضخم لتعليم المجتمع اليهودي الإسرائيلي وتوعيته بالنكبة والقضية الشائكة المتمثّلة في حق عودة اللاجئين الفلسطينيين. ولطالما اقتحمت "ذاكرات"-بحكم طبيعتها- حقولًا من الألغام؛ وإنه لمن الغريب أن هذا السياق المعادي نفسه قد مكّن "ذاكرات" من لعب دور حاسم في تغيير الخطاب المتعلق بهذه القضايا في "إسرائيل".

-يتكلّم إيتان حول كيفيّة إحيائه لذكرى النكبة (الفلسطينية) وسط صخب احتفالات تل أبيب بما يُسمّى يوم "الاستقلال" الإسرائيلي، حتى أصبح الشعور القومي الذي كانت تولّده تلك الاحتفالات مبعثاً للقرف المتزايد ومدعاة للفعل بالنسبة إليه. لذلك، أراد إيتان أن يُنظّم "فعاليات تشرح ماذا يعني الاستقلال الإسرائيلي، استقلالنا، للفلسطينيين؛ ولكن ماذا يعنيه أيضاً لنا كمحتلّين. ويرى إيتان أنه لا يجب أن يكون التحرير قائماً على القهر؛ بل إنّي لأقول إن هذا التحرير -بما يتضمّنه من زعم بتوفير الأمان- لا وجود له، ولم يسبق له أن وجِد أبداً في إسرائيل. فإسرائيل مسكونة بخوف دائم على وجودها".

- في آذار/ مارس 2002، نظّمت "لجنة مُهجّري قرية مسكة" الفلسطينية جولة فيها بمشاركة يهود إسرائيليين، وعلى رأسهم إيتان برونشتاين باريسيو، الذي كان يأمل في "أن تبعث تلك الجولات الروح في خريطة جديدة لهذه البلاد؛ خريطة تُبيّن وتُبرز كلّ ما فُقد من مئات المواضع الفلسطينية التي دُمّرت خلال النكبة، والتي سعت إسرائيل إلى مسْحها بشكل ممنهج من الذاكرة والحيّز الجمعيين. كانت الفكرة تكمن في أن يصبح المشاركون أمناء على الذاكرة، أي "طلائع"-وهي كلمة عزيزة على قلوب كتبة التاريخ الإسرائيلي- من شأنها أن تُعبّد الطريق لإعادة بناء ما دمّرته دولة إسرائيل".

-يكشف إيتان أن مؤسسة "ذاكرات" نظّمت بين عامي 2002 و 2011 أربعاً وستّين جولة مفتوحة للجمهور، تُضاف إليها عشرات الجولات الأخرى التي نُظّمت لمجموعات خاصة.. "وقد منحتنا هذه الجولات فرصة عظيمة للصعود بموضوع النكبة إلى واجهة النقاش العام في إسرائيل".

وتردّ إليونور بأن الخرائط  أصبحت "مقاومة سياسية فعّالة ضد المساعي الصهيونية للسيطرة على الأرض. لقد كان بن غوريون في حينه على قناعة بأن السيطرة على الأرض لن تتم بلا خرائط جديدة كليّة باللغة العبرية؛ إذ كان يعي أن السيطرة على الأرض لا تكفي وحدها إذا كان الغرض استيطانياً. ومن المنطلق نفسه كان جزء من المشروع الصهيوني يسترشد بالضرورة المستمرة المتمثلة في بناء مستوطنات جديدة، وتوطيد السيطرة وإعادة الارتباط بالأرض، ما يعني بناء هوية جديدة للمستوطنات.

-يكشف إيتان أن "ذاكرات" وضعت أشهر وأنجح خريطة للنكبة باللغة العبرية، وذلك في العام 2013، مع الاستعانة بخرائط باللغة العربية والإنجليزية؛ على خلفية أن "ذاكرات" تسعى لتوعية الجمهور الإسرائيلي بالنكبة. وقد تمّ  رسم خريطة تبيّن كافة المواضع التي دُمّرت حتى العام 1967، بغضّ النظر عن هويّات ساكنيها، ما يعني أن الخريطة ستشمل المواضع الفلسطينية والسورية واليهودية.

جرى إطلاق هذه الخريطة رسمياً عشيّة "يوم الاستقلال" في 2013. وتمّ توزيعها في إطار فعالية وسط الاحتفالات في شوارع تل أبيب، حيث أبدى كثير من المارّة اهتماماً جدّياً بها.. وخلال 18 شهراً وزّع ما يقارب 3000 نسخة، حسب إيتان.

-من جهتها، تقول إليونور إن تدمير إسرائيل القرى الفلسطينية على جانبي الخط الأخضر يدلّ على أن عملية الاستعمار غير محصورة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وحتى داخل إسرائيل نفسها تتكرّر على ألسنة الفلسطينيين الرسالة الآتية: الإسرائيلي الحقيقي هو اليهودي فقط.

وتضيف: وبالعودة إلى الخريطة، فقد نقلنا المفهوم الاستعماري خطوة إلى الأمام؛ وهو ما يمكن أن يراه الناظر إلى الخريطة كاستفزاز. أقصد بذلك إضافة المواضع اليهودية التي دمّرتها إسرائيل. فقد قرّرنا أن نُدرج تلك المواضع في دائرة الفعل الاستعماري الإسرائيلي.

-مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في تشرين الأول/أكتوبر من العام 2000، على خلفية زيارة آريئيل شارون، رئيس حزب الليكود، الاستفزازية لباحة المسجد الأقصى، وما تلاها من مواجهات، طرأ تغيّر على المشهد، بفضل الفعل الذي تبذله أقليّة من اليهود في إسرائيل، حسب تعبير الكاتبين. إذ بدأ الآلاف من اليهود الإسرائيليين يفهمون جوهر الدولة اليهودية الذي لا يمنح غير اليهود حقوق المواطنة الكاملة، خاصة إذا كانوا فلسطينيين. وقد أدرك هؤلاء الإسرائيليون أن تحقيق المساواة والعدالة يقتضي منهم النأي بأنفسهم عن الفكر الصهيوني الذي جرى تلقينهم إياه منذ الصغر. وما انفكّت هذه الهوّة الفكرية تجعل مزيداً من الإسرائيليين، وكذلك يهود الشتات، يُعرّفون أنفسهم تدريجياً ك لا صهيونيين أو مناهضين للصهيونية.

ولقد نشأت "ذاكرات" في هذا السياق التاريخي لصحوة الوعي بالنكبة لدى عدد صغير-لكنه متزايد- من الإسرائيليين، فراحت تشكّك في الأسس التي قامت عليها دولة إسرائيل، وتنشر الوعي بين منظمات المجتمع المدني الإسرائيلي بالنكبة وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين.

-إنّ مسائل من قبيل؛ هل ظُلِم الفلسطينيون؟ أيمكنهم المطالبة بإعادة الاعتبار لحقّهم في العودة إلى بيوتهم وأراضيهم؟ عُرضة للتلاعب-من قِبل النخب المتنفذة سياسياً واقتصادياً داخل المجتمع الإسرائيلي الذي يتّسم بتراتبية صلبة- لحشد الإسرائيليين في وجه عدو مشترك.

ففي تشرين الأول/ أكتوبر 2015 مثلاً، لم يتردّد رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك، بنيامين نتنياهو، في القول بملء فيه بأن أدولف هتلر لم ينوِ إبادة اليهود، بل كان يعتزم طردهم؛ إلاّ أن مفتي القدس أمين الحسيني هو من لقّنه فكرة الحلّ النهائي!

أخيراً، ورداً على اقتراح حلّ من إليونور فيه نوع من القبول المتبادل والملكيّة المشتركة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، يؤكّد إيتان على هذا المقترح؛ فذلك من صميم الضيافة. وهو يعني أن "نصبح ضيوفاً في هذا البلد، وأن نعيش على قَدَم المساواة مع غيرنا من الضيوف، وأن نقبل يتشارك المسؤولية والملكيّة..فيما الخيار الآخر الذي لا نزال نعتمده هو خيار الملكيّة الحصرية. وقد دَفعَنا هذا الخيار في طريق الدمار.

ويتابع: أما إذا اعتمدنا الخيار المعاكس، فستنبلج أمامنا حقيقة أن الوحيدين الذين يمكنهم إنقاذنا من تدميرنا لأنفسنا هم ضيوفنا-شركاؤنا في الملكيّة- أي الفلسطينيون. فأمْرنا متوقفٌ عليهم؛ فهم وحدهم من يقْدرون على سحْبنا خارج الدوّامة الحصريّة الظالمة والمدمّرة بطبيعتها.

 


الكاتب:

حسن صعب

كاتب وباحث سياسي



وسوم مرتبطة

دول ومناطق


روزنامة المحور