السبت 30 آذار , 2024 11:51

الإمارات وتقسيم اليمن: مشروع يتجدد من جزر سقطرى وعبد الكوري

جزيرتا سقطرى وعبد الكوري

بدأ التحذير من تقسيم اليمن بتصريح للرئيس اليمني المخلوع، هادي منصور عبد ربه، في العام 2019، إبان عدوان التحالف على اليمن، والذي طلب من المملكة السعودية يومها التدخل في لجم الخطط الإماراتية لتقسيم اليمن والسيطرة على القسم الجنوبي والجنوبي الغربي منه. لم تكن المملكة خارج اللعبة الدولية في اليمن في تلك المرحلة، واستجارة عبد ربه كانت كمن يستجير من الرمضاء بالنار. ولكن وبعد انسحاب التحالف من اليمن، وبفضل سواعد وقبضات المقاومين في الجيش اليمني وأنصار الله الذين تظافرت قوتهم من أجل تحرير اليمن من التحالف العربي- الصهيوني، وبعد بضع سنوات مرّت على توقف العدوان يبدو أنه وابتداءاً من منتصف العام الماضي، عاد اليمن ليدخل في خطر التقسيم من جديد، فالرباعية، المؤلفة من الإمارات إلى جانب العدو الصهيوني وبدعم اميركي – بريطاني مطلق، عادت لتشبك خيوط مؤامرة جديدة.

الخطر على اليمن يزداد كل يوم، ودخول اليمن مرحلة طوفان الأقصى البطولية ستجعله اليوم أكثر من أي وقت مضى في دائرة المؤامرة، ليس معنى الكلام أن القيادات الوطنية في اليمن لا تعي الخطر الذي يحوم حول وطنها، ولكنها تعي أيضاً أن انتصار المقاومة في فلسطين سيكون جزءاً لا يتجزأ من دورها في الإنتصار، وانتصارها هي أيضاً ما أن يخرج الذين تآمروا على فلسطين مهزومين. واللافت عند تحديد تآمر الرباعية ليس على اليمن فقط بل في عدة بقاع من العالم العربي والإسلامي، وواضح في تغريدة السفير الإماراتي، يوسف العتيبة، الوقحة على تويتر في 21 شباط/ فبراير من هذا العام قائلاً: "حاربنا مع أمريكا خلال 25 عام الأخيرة في 12 دولة، في افغانستان في ليبيا في سوريا في مالي في اليمن في الصومال وكوسوفو والسودان في ستة تحالفات مع قائدة العالم للدفاع عن الحرية والسلام"!

الأمر لا يقف عند تعظيم العمل الإماراتي من قبل سفير الإمارات، بل كان هناك تصريح لنائب رئيس شرطة دبي، ضاحي خلفان، على حسابه على منصة اكس، في 25 تموز/ يوليو 2023، جاء فيه: "كل محب لليمن عليه ان يدرك بأن اليمن لا يعيش إلا برئتين مستقلتين متعاونتين شمالية وجنوبية، إن أريد له الحياة"، و"أن من يقول غير ذلك فهو واهم". وهذه ليست جرأة او وقاحة شخصية، بل هو كلام مدفوع من قبل الحكومة في الإماراتن وتصريح مهم حول النية التي تبّيتها الإمارات ضد اليمن، وبالتأكيد لا تستطيع الإمارات فعل ذلك إلا بإذن ومباركة اميركية- صهيونية.

وقد جاء على موقع إمارات ليكس، في 21 أيار/ مايو 2023، ان موقع استخباراتي فرنسي كشف أن انفصاليين في واشنطن يسعون لتقسيم اليمن وإقامة دولة جنوبية، ويكثّفون تحركاتهم في دوائر صنع القرار العالمية في الولايات المتحدة وبدعم من دولة الإمارات، وأن من يطلق الحملة هو المجلس الإنتقالي الجنوبي الإنفصالي، وهو يعمل ليفّعل قوة ضغط في واشنطن من أجل المساعدة على الانفصال، ويقود المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي. ومنذ نيسان/ أبريل 2022، بات محافظ حضرموت، فرج سالمين البحسني، جزء من تركيبة المجلس الإنفصالي، وهذا يعني أن الإمارات استطاعت تجنيد الأغلبية في مجلس الرئاسة اليمني الذي أنشأه الإماراتيون والسعوديون. ومن أجل الحصول على الدعم اللازم من الحكومة العميقة في الولايات المتحدة والتي تمثلها المؤسسات الأمنية مثل المخابرات المركزية الأميركية ووكالة الأمن القومي الأميركي والشركات الكبرى، فقد وقع صالح غالب القعيطي، المستشار الخاص للزبيدي عقداً بقيمة 1.2 مليون دولار لمدة عام واحد مع "هايبرفوكال"، وهي تابعة لشركة "سترايف" للإستخبارات والتمثيل الدبلوماسي، ومقرها في تكساس. أي أن الجماعة يعملون على تطوير خبراتهم في مجال الدبلوماسية والعمل الإستخباراتي. وسيعمل أصحاب الشركة ستيوارت جولي ويولاندا كاراوي على ملف اليمن مع مدير هايبرفوكال، تيم فيليبس، للضغط لترويج رؤية المجلس الإنتقالي الجنوبي في واشنطن.

ولا يسعنا هنا إلا ان نضيف أن التحالف مع الأميركي والصهيوني ضد الفلسطينيين في غزة، ومنع حمل العلم الفلسطيني في الإمارات وفي المباريات التي أقيمت على ارضه، ومن ثم فتح موانئ دبي لتمرير البضائع للكيان الصهيوني عبر الممرالبري، الذي يمر خلال دول تحالف العدوان على اليمن باتجاه معبر ابو سالم بين فلسطين والأردن. هذا التحالف الذي ما يزال حتى اليوم يحتفظ بقواعد له في مجموعة جزر سقطرى ومنون، وخاصة في جزيرة عبد الكوري، التي أكمل فيها كل من الكيان المؤقت والإمارات بناء قاعدة عسكرية فيها، وذلك بحسب موقع تنسيف العبري، والذي نشر الموقع صور للأقمار الصناعية والتي تظهر انتهاء العمل على القاعدة حيث استكملت بناء مدارج للطيران فيها مستعينة بخبراء صهاينة. وقد بدأ العمل على المدارج في العام 2022. والجدير ذكره أن جزيرتي سقطرى وعبد الكوري وما حولها تقع قريبة جداً من باب المندب، والممر يقع ضمن السياسة الصهيونية والأميركية الهادفة للسيطرة على المنافذ البحرية.

ومنذ بداية دخول اليمن عملية طوفان الأقصى، حاولت الإمارات ممارسة الخداع ضد اليمن وطلبت من جيبوتي المطالبة بملكية جزيرة سقطرى محاولة بذلك اللعب على الخلاف أو لربما الصراع الذي كان من الممكن أن يبدأ بين البلدين الجارين، مما سيستدعي تدخلاً دولياً تكون الإمارات جزء منه. ولكن جيبوتي رفضت بكل بساطة وأعلنت أن سقطرى جزيرة يمنية، وأنها لن تدخل بصراع مع اليمن في هذا الشأن. وهنا علينا ألا ننسى دائماً تغير موازين القوى في البحر الأحمر ومنها تنامي القوة اليمنية البحرية وتطورها، ووجود القاعدة الصينية في جيبوتي، والتي تتناقل الأخبار حول دعمها اللوجستي للبحرية اليمنية. لقد تغيّرت فعلياً أدورا القوى الإقليمية والوطنية في البحر الأحمر وليس غريباً أن نقول إنه بات لليمن اليد العليا، وهذا ما يجعل كل من الإمارات والكيان العبري في قلق شديدين.

ليس غريباً ما يحدث، وقد تحدث السيد عبد الملك الحوثي قائد أنصار الله كلاماً تضمن أنه حان الوقت كي يستعيد اليمن والقوى الوطنية والعربية زمام الأمور في منطقتهم، هم يعرفون ماذا يحدث ولكن القوى الإستعمارية التي تعد شركة موانئ دبي رأس حربة فيها، والتي حاولت مراراً وتكراراً السيطرة على ميناء عدن بالذات، مهملة العقود التي وقّعتها مع الدولة اليمنية في عهد الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، والتي تقضي بإقامة استثمارات ترفع من مستوى اليمن الإقتصادي، وعوضاً عن ذلك ذهبت الإمارات باتجاه استغلال استعماري محاولة استغلال اليمن والإبقاء على الوضع الإقتصادي السيء في اليمن وعلى اليمنيين على الرغم من امتلاك هذا البلد العزيز إمكانيات كبيرة، لناحية المياه والزراعة والملاحة الدولية، هذا عدا عن الثروات الوطنية من الذهب والمعادن والبترول، وأهم مجموعة من المرافئ الدولية في محافظة المهرة وعدن والحديدة، والأخيرة يقصفها الأميركي بشكل دوري مستهدفاً أهل اليمن المدنيين.

أعلنت وسائل الإعلام اليمنية منذ العام 2020 أن الإماراتيين ابتدؤوا بإجلاء السكان من جزيرة عبد الكوري، وهناك عملوا على إخلاء اليمنيين بالكامل وطردوا الإدارة المدنية اليمينة فيها واستولوا على إدارة الجزيرتين. عمل مستمر حتى يومنا هذا. والجزيرتان المدرجتان على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، يرتع فيهما السياح الصهاينة، والأكثر من ذلك أنهم يتجولون في الجزيرة رافعين العلم الإسرائيلي. أن إنهاء القاعدة الصهيونية- الإماراتية في جزيرة عبدالكوري معناه أمر واحد، أن الطرفين يريدان وضع اليد على الجزيرتين، وأن الحرب القادمة من اجل تحريرهما باتت حتمية لأن إهمال الأمر سينتهي بوضع اليد عليهما وبالتالي فصلهما عن الوطن الأم اليمن، وهما تشرفان على المحافظات الغربية الجنوبية في اليمن، والتي نشرنا قبلاً عن خطة بريطانيا من أجل فصل محافظة عدن عن اليمن وإقامة دولة وقد تصبح فلسطين جديدة في داخل الأراضي اليمنية، أو الإمارات الصهيونية الجديدة. نعم الأمر بهذه الخطورة، ويجب التعامل معه بحذر وجدّية شديدين. كما تم نقل القوات العسكرية اليمنية الموجودة في جزيرة عبد الكوري إلى جزيرة سقطرى، وهي قوات تتبع المجلس الإنتقالي الجنوبي الذي تسيطر عليه الإمارات، ومن تسميته يمكن الإستدلال على أن الهدف منه هو فصل الجزء الجنوبي الغربي من اليمن.

كشف موقع نتسيف العبري أن إيران تراقب الأمر وبحذر واهتمام شديدين، فالأمر يتعلق بالأمن القومي لجميع الدول المطلة على الخليج والبحر العربي، ومنها عمان بالتأكيد. مقال نتسيف نشر في 2 شباط/ فبراير 2023، أي قبل انطلاق عملية طوفان الأقصى بأشهر. ومع المعلومات المسرّبة حول دأب الإماراتيين من أجل الترويج في العام الماضي لتشكيل قوة ضغط في دوائر الحكومة الأميركية، يمكننا فهم الكثير حول تدخل الولايات المتحدة في البحر الأحمر، والحرب الدائرة من أجل السيطرة على الملاحة البحرية فيه وارتباطها اليوم بأمن دولة الكيان الإقتصادي الذي تم تهديده بشكل مباشر عبر عمليات اليمن المساندة للفلسطينيين في غزة. إن وجود القوة البحرية في اليمن تعد تهديداً كبيراً للممر الكبير القادم من الهند والذي يمر في البحر الأحمر ومن ثم عبر قناة بن غوريون المتأمل شقها نحو ميناء عسقلان في فلسطين، عمق العلاقة ما بين فلسطين واليمن أدركها أحرار اليمن بأعمق ألف مرة مما رآه آخرون.

مشروع تقسيم اليمن، كان ومازال حلماً لآل بن زايد وآل سعود، وقد أسقطة الرئيس السابق علي عبد الله صالح في العام 1995، ولكنه يعود اليوم ليتجدد، لأن الإمارات تخشى أن يعود ميناء عدن لنشاطه السابق، والذي كفّت يد شركة موانئ دبي عنه قبل العام 2011، وهو يهدد مصالح ميناء دبي مباشرة. ولكل من السعودية والإمارات مصلحة في تثبيت التقسيم، ولكن كل يراه بحسب خطته. إلا أن الإمارات لا تستطيع اليوم إلا التصرف بشأن هذا الحلم وكأنها كلب مسعور، خاصة وأن يدها كُفّت في أريتيريا وجيبوتي ولم تعد قوة إقتصادية فاعلة هناك، وترى أن اليمن أضعف من أن يقف أمام القوة الضاغطة التي تحاول إعادة تفعيلها أكثر في واشنطن منذ الشهر الخامس في العام 2023.


الكاتب:

عبير بسّام

-كاتبة صحفية، عضو في الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين / ماجستر في العلاقات الدولية من جامعة LAU 




روزنامة المحور