الأربعاء 24 أيار , 2023 11:28

عائلة النخالة تروي: كيف ساهم الأسر والظروف في تكوين شخصية الأمين العام

الأمين العام لحركة الجهاد الاسلامي زياد النخالة

أدارت حركة الجهاد الإسلامي في عهد أمينها العام الثالث زياد النخالة 10 معارك أو جولات قتالية ضد كيان الاحتلال. كان آخرها في سنة واحدة، معركتي "وحدة الساحات" و"ثأر الأحرار"، التي برزت فيها قدرات وأداء أكثر تطورًا للحركة وجناحها العسكري سرايا القدس، الى جانب الأداء السياسي في العديد من الملفات على الساحة الفلسطينية، وتوسّع تحالفات الحركة على الساحة الإقليمية في ظلّ قيادة النخالة. وأمام كلّ ذلك، يقع اليوم اسم القائد النخالة على رأس استهدافات كيان الاحتلال، فقد نشر الاعلام العبري عقب وقف إطلاق النار في "ثأر الاحرار"، صورة لـ "مطلوبين"، واضعًا فيها صورة النخالة الى جانب صورة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. فما هي الظروف والمراحل التي مرّ بها هذا القائد وكوّنت شخصيته القيادية التي أرّقت هذا الكيان؟ تروي عائلة النخالة والعارفون بمراحل الحركة.

"إننا نشهدُ اليومَ عهد البركة في تاريخ الحركة"، بهذه الكلمات وصف الطبيب الفلسطيني غسان السهلي، عصر البطولات والتضحيات، التي تُقدمها حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين. وأضاف د. السهلي (72 عاماً)، وهو من سكان مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، بالعاصمة السورية دمشق، "عايشتُ ثلاث مراحل مرَّت بها حركة الجهاد الإسلامي، واتسمت كل مرحلة فيها بسمات وخصائص خاصة".

صديق الشهيد الشقاقي يسرد محطات الجهاد الإسلامي

أوضح الدكتور أن المرحلة الأولى، كانت الحقبة التأسيسية للحركة، التي واكبها مع صديقه وزميله في مهنة الطب الشهيد المؤسس د. فتحي الشقاقي، الذي اتسم بأنه رائد الفكر الإسلامي المتجدد، مشيراً إلى أن "الرجل ومنذ أن وطأت قدماه أرض سورية، مطلع تعسينيات القرن العشرين، أخذ يُجمِّع ويُذيب كل أشكال الفُرقة والخلاف بين قوى وطاقات الأمة العربية والإسلامية، بهدف حشد الصفوف والتفرغ لخطر المشروع الصهيوني".

تطرق د. السهلي إلى اللقاء الأول الذي جمع الشهيد الشقاقي مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، اذ سأله الأخير وقتها عن حركة الجهاد الإسلامي؟، فأجابه مؤسسها: "لقد جئنا مصالحةً بين الإسلام والعروبة، بعد قرنٍ من تعكر الأجواء بينهما"، فإذا بالرئيس الأسد يُعجب بما قاله د. الشقاقي، ويقول له: "كل أوتوسترادات سورية تحت تصرفك يا دكتور"، لأنه شعر بمصداقية، ووضوح وعمق الطرح الذي يحمله الرجل".

وتحدث الطبيب الفلسطيني اللاجئ، عن المرحلة الثانية، التي واكبها، وهي التي تسلّم فيها الراية من بعد الشهيد الشقاقي، للدكتور الراحل رمضان عبد الله شلَّح. واصل د. شلّح المسيرة على خطى سَلَفُه بقوةٍ، وإرادة وعزيمة لا تعرفُ طريقاً للمستحيل، مؤكداً أنه "لم يحد عن المبادئ والرؤى التي كان عليها رفيق دربه المؤسس".

أما المرحلة الثالثة - وفق د. السهلي - "فهي عهد البركة في تاريخ الحركة"، وهي التي تولى فيها الأمانة العامة القائد زياد النخالة. وبحسبه فإن "الرجل يتميز بالصدق، الوضوح، الشجاعة، الإنسانية، البساطة، التواضع، وهذه كلها جعلت مختلف مكونات الشعب الفلسطيني وقواه السياسية والمجتمعية تتعامل معه كرمز وطني، وليس قائداً لفصيل أو لون سياسي معين". ولفت د. السهلي إلى "أن تجربة النخالة الاعتقالية في سجون الاحتلال، حيث قضى ما يزيد عن 15 عاماً في المعازل والمعتقلات الإسرائيلية، أسهمت بشكلٍ كبير في تكوين شخصيته".

شقيق النخالة يتحدث عن مرحلة استشهاد والدهم

هنا، تروي عائلة الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة، هذه التجربة في الأسر وعن الظروف التي عاشتها عائلة النخالة، وكلها تجارب أثقلت شخصية هذا القائد.  ومن أبرز المحطات التي عاشتها الأسرة، يتحدّث عنها الشقيق الأصغر " الحاج عدنان"، والتي بدأت مع استشهاد والدهم الحاج رشدي حسين عبد الله النخالة، خلال العدوان الثلاثي الإسرائيلي- البريطاني- الفرنسي، على مصر وقطاع غزة، عام 1956. استشهد الوالد على أرض مدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة، حيث نفذ الإسرائيليون مذبحةً كبيرة راح ضحيتها المئات من المواطنين، بينهم عدد كبير من النساء والأطفال. وكانت العائلة قد انتقلت الى خان يونس حديثًا بعد تعيين الوالد في إحدى مدارسها.

شدّد عدنان النخالة، "أن المذبحة التي نفذها الاحتلال الإسرائيلي بحق الأهالي في محافظة خان يونس، والذين كان من بينهم والده، الذي استشهد على مرأى شقيقيه الكبيرين حسين (رحمه الله) وزياد (حفظه الله)، تركت آثارها في تكوين شخصيتهما منذ تلك اللحظة الأليمة".

انتقل "الحاج عدنان" الى الحديث عن دور والدتهم، افتخار سعيد عبد المجيد الحسيني التي تصدت، تربيته وإخوته بعد استشهاد والدهم. كان للوالدة المساهمة الكبيرة في تكوين شخصية القائد زياد وتعبئته وإخوته من أجل القضية الفلسطينية والتحريض على المقاومة ضد كيان الاحتلال. حملت الوالدة هذه المسؤولية على الرغم من وضعها الصحي، اذ إنها أصيبت بعدم القدرة على الكلام بعد نبأ استشهاد زوجها.

كافحت المرأة الأرملة ابنة الـ 27 عامًا في تربية أولادها (حسين، زياد، عدنان)، وعملت في مهنة الخياطة، لكنّ الظروف ظلت قاسية. بقي القائد زياد في بيت جده في خان يونس، والتحق بمدرسة "أحمد عبد العزيز"، الا أنه في الصف الخامس، التحق بأخيه الأكبر، حسين، الذي كان قد سبقه الى دار الأيتام. بقي الشقيقان هناك الى حين بدأ العدوان الإسرائيلي عام 1967.

القائد النخالة بين المقاومة والأسر والإبعاد

بعدها عاد حسين الى والدته، فيما اعتقل القائد زياد، وتحديداً في 21 أيار/ مايو عام 1971، على خلفية انتمائه لقوات التحرير الشعبية، التي كانت بقيادة الشهيد زياد الحسيني، وحُكم عليه بالسجن المؤبد مدى الحياة.

وصف الشقيق عدنان هذه المحطة بالأصعب، و"على مدار سنوات اعتقال زياد، كانت الوالدة مواظبةً على زيارته في سجون الاحتلال، من غزة المركزي، إلى بيت ليد، إلى "كفاريونا" إلى السبع، إلى عسقلان. لقد كانت سنوات من العذاب، تحبس فيها الوالدة الصابرة دمعتها متحجرةً في عينيها، فالحديث يطول ويطول عن تلك العذابات، التي مرت بها".

مرّت سنوات الأسر ثقيلة – حسب عدنان – لغاية العام 1985، وحينها تمت صفقة تبادل للأسرى بين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة) وكيان الاحتلال، فخرج بموجبها زياد من المعتقل. "استأنف زياد العمل المقاوم، وهذه المرة بقوة وعزيمة أكبر"، فاعتقل مرّة جديدة في نيسان/ إبريل من العام 1988، "ليُقرر العدو بعد قرابة أربعة أشهر من اعتقاله، إبعاده عن قطاع غزّة".

وفق عدنان النخالة، عند تلك المحطة قائلاً: "بعد إبعاد أخي زياد، عادت الوالدة تحمل في قلبها الحزن المكتوم على فراق ابنها. كنت أرى ذلك في عينيها، وعند حديثها، في العبارات التي كانت تخرج من فمها، إلا أنها في الوقت ذاته كانت شامخةً تشعر بأنها حِصن منيع يَصعبُ على القهر اختراقه، لتظل هكذا صابرةً، محتسبةً، إلى أن وافتها المنية بتاريخ 28 شباط/ فبراير من العام 2014، عن عمر 85 عاماً، بعد رحلة كفاح ومشقة ستظل محفورةً في ذاكرتنا".


الكاتب: مروة ناصر




روزنامة المحور