قتل 630 ألف جنين في عام واحد: الاجهاض رافعة الرؤساء للبيت الأبيض!

الخلاف الاميركي حول قانون الاجهاض

ثمّة من يُلخّص المشهد الرئاسي في الولايات المتحدة على أنه موسم للاستفتاء على قانون الإجهاض، نظراً لأهمية هذه القضية في حسم أسهم بورصة الأصوات في المعركة الانتخابية. فهو الأمر الذي اضطر الرئيس جو بايدن على تغيير موقفه من معارض للإجهاض منذ ان كان عضواً في مجلس الشيوخ، إلى مؤيد له عندما بدأ يراوده "حلم الرئاسة"، وهو ما ينسحب على عدد من الرؤساء قبله، كجورج بوش وبيل كلينتون...

يعود الخلاف حول الإجهاض ليتصدر اهتمامات الرأي العام الأميركي، مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي في 5 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2024. وفي الوقت الذي تشن فيه الآلة الإعلامية للحزب الديموقراطي هجوماً على الرئيس السابق، دونالد ترامب، بوصفه "مخادعاً" وانه يستغل القضية لحشد الأصوات، وكان يحتاج "إلى ما يقارب 80% من أصوات الإنجيليين للفوز"، يشن الجمهوريون هجوماً مضاداً بنعتهم المؤيدين للإجهاض بأنهم "أعداء الحياة".

البعد الديني والايديولوجي

أواخر ستينيات القرن العشرين كان العديد من الجمهوريين وراء الجهود المبذولة لإلغاء تجريم الإجهاض. بينما كان الديمقراطيون، مع دائرتهم الكاثوليكية الكبيرة، هم المعارضة. واللافت، ان عرّاب قانون 1967، والذي يعتبر أكثر قوانين الإجهاض ليبرالية في البلاد، كان الجمهوري، رونالد ريغان.

لتحديد الموقف من القضية، يتخذ المعارضون كما المؤيدون جملة من الذرائع التي تخفي الدوافع الحقيقة. فالدين والعرق والعنصرية والقوة النافذة مالياً وسياسياً واعلامياً، كلها تلعب دوراً هاماً في تحديد شكل النزال وخلفياته، كما انها كانت وراء هذا التحول النوعي، ليصبح غالبية الجمهوريين معارضين للقانون ويستميت الديموقراطيون في الدفاع عنه.

فبحسب إحصاءات نشرها مركز pew للأبحاث في حزيران/يونيو عام 2022، فإن الانقسام الديني حول الإجهاض واضح بقوة داخل الحزب الجمهوري: 62% من البروتستانت ضد تشريع الاجهاض، بما في ذلك حوالي39 ٪ من البروتستانت الإنجيليين البيض. وحوالي 4 من كل 10 متدينون.

وهناك انقسام مماثل داخل الحزب الديمقراطي عندما يتعلق الأمر بالإجهاض والأيديولوجية السياسية. نصف الديمقراطيين الذين يقولون إن الإجهاض يجب أن يكون قانونياً يُعتَبرون ليبراليين.

هناك أيضا اختلافات بين الديمقراطيين حسب العرق. 56% من الديمقراطيين الذين يؤيدون الإجهاض القانوني هم من البيض. وحوالي نصف الديمقراطيين الذين يطالبون بنزع قانونية الإجهاض هم إما من السود أو من المتحدثين باللغة الاسبانية. وبحسب الإحصاءات، يميل الديمقراطيون السود واللاتينيون إلى أن يكونوا أكثر تدينا من الديمقراطيين البيض.

وبينما عارضت الكنيسة الكاثوليكية الإجهاض، كانت الكنيسة المعمدانية الجنوبية، وهي أكبر طائفة إنجيلية، تطالب بالسماح به في كثير من الأحيان.

أكثر من 6 تريليون دولار تكلفة الإجهاض

عشية الانتخابات الرئاسية لعام 2016، تعهد ترامب بتعيين قضاة المحكمة العليا الذين سينقضون "تلقائياً" على قانون "رو ضد وايد" (والذي صدر عام 1973 ليكرس حق المرأة في الإجهاض). وخلال فترة توليه لمنصبه، قام ترامب بتغيير شكل المحكمة من خلال تعيين 3قضاة جدد ومنح المحافظين الأغلبية بـ6 قضاة مقابل 3 فقط من الليبراليين. وتم الغاء القانون فعلياً في 24 حزيران/يونيو عام 2022. في خطوة وصفت بأنها "انتصاراً لخمسين عاماً من نضال اليمين الديني".

وتوضيحاً للتكلفة الاقتصادية للإجهاض، أصدر الجمهوريون في اللجنة الاقتصادية المشتركة (JEC) دراسة توضح أنه خلال عام 2019، تم القضاء 630 ألف جنين، توازياً مع خسارة تقدر بحوالي 6.9 تريليون دولار، أو 32% من الناتج المحلي الإجمالي. وتابعت اللجنة "الإجهاض في جوهره هو قضية أخلاقية وليس اقتصادية. ولكن حتى من الناحية الاقتصادية، فإن تكاليف الإجهاض تفوق إلى حد كبير أي فوائد مزعومة".

 هذه الخطوة التي أثارت مروحة انتقادات في صفوف الحزب الديموقراطي، كبايدن الذي وصف يوم صدور الحكم بأنه "يوم حزين للمحكمة وللبلاد"، لاقت ترحيباً كبيراً من أبرز شخصيات الحزب الجمهوري، كمايك بنس، الذي احتفل بأن "الحق في الإجهاض أصبح في مزبلة التاريخ". مضيفاً "لقد صححت المحكمة العليا خطأ تاريخياً".

والجدير بالذكر، ان المدافعين عن الاجهاض في الولايات الأميركية، يُرَفِّعون هذا الحق عن أي قيود أوضوابط. فهو -برأيهم- حق تمتلكه المرأة بإنهاء حياة جنينها، أيّاً كان عمره، وان دعت الحاجة الطبية لذلك أم لا. وقد يكون عبر طريقتين، منها الإجهاض الجزئي للولادة (PBA) ويتم عبر اخراج رأس الجنين الحيّ من رحم الأم، ثم قتله عن طريق سحق جمجمته أو إزالة دماغه عن طريق الشفط.

وما الإشارة آنفة الذكر، إلا لمراكمة الحقد الإنساني على توظيف السياسة الأميركية لشتى أنواع القضايا، خدمة للأجندات العبثية، التي لم تُنتج الا فتكاً بالمجتمعات على مستوى العالم.


الكاتب:

مريم السبلاني

-كاتبة في موقع الخنادق.

-ماجستير علوم سياسية.




روزنامة المحور