الميتا فرس: عالم وراء عالم

METAVERSE

لطالما سعى الإنسان دائماً إلى التطور والبحث عن التميز منذ بدء الخليقة، ومع لحظة الوجود بدأت رحلة البحث عن كل شيء، إنها الرغبة في البقاء والاستمرار، حيث غريزة البقاء ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالبشر وطبيعتهم، ولذلك يجهد الانسان للتكيف من أجل البقاء وإن اختلفت أوجه هذا البقاء ومسمياته. ومن ينظر إلى الماضي البشري ويتأمل في المرويات يدرك أن التطور سمة رئيسية في طبيعة الإنسان، وإن اختلف شكل هذا التطور من عصر إلى عصر ومن بيئة إلى أخرى.

تذكر الأبحاث أن مفردة Metaverse مكونة من شقين، ميتا وتعنى (ما وراء) في اليونانية، و(فيرس) تعني الكون أو العالم، أي أن الكلمة تعني ما وراء الواقع إن صحّت هذه التسمية، وتمثل الميتافيرس أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا بعد عقود من التطور والتدرج في عالم الويب وشبكة الإنترنت.

يعود أول استخدام لهذا المصطلح الى العام 1992 حيث استخدمه نيل ستيفنسون Neal Stephenson في رواية الخيال العلمي “تحطم الثلج Snow Crash"، حيث يتفاعل البشر كشخصيات خيالية مع بعضهم البعض ومع برمجيات، في فضاء افتراضي ثلاثي الأبعاد3D مشابه للعالم الحقيقي. وبعد برهة من الزمن، أثار المستثمر ماثيو بول Mathew Ball الوعي حول الميتافيرس في سلسلة مقالات ركزّت على حاضر ومستقبل Epic games والتي تملك لعبة Fortnight. 

عام 2003 تم إطلاق منصة العالم الافتراضي "الحياة الثانية" Second Life، التي تصنف عل أنها أول ميتا فيرس، وقد صوّرت المستخدم على أنه رمز في عالم ثلاثي الأبعاد 3D، ودمجت عدداً من مواقع التواصل الاجتماعيـة، وتميزت بأهم ميزات العالم الافتراضي، وهي الحياة الاجتماعية، وهي أشبه بحياة ثانية موازية للحياة البشرية التي نعيش.

ثم ظهر العديد من العوالم الافتراضية التي استخدمت بشكل أساسي في الألعاب الالكترونية مثل Minecraft، World of Warcraft، Fortnight. 

مفهوم الميتافيرس

يمكن القول بأن الميتافيرس هي عبارة عن شبكة اجتماعية ضخمة تتضمن مزيجاً من تكنولوجيا الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR) والواقع المختلط (MR) والبيئات ثلاثية الأبعاد 3D بالإضافة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي AI يتم التفاعل معها في الوقت الحقيقي وبشكل فعال ومستمر، يشترك فيه عدد غير محدود من الأشخاص حول العالم، ويوفر بيئة انغماس حقيقة للمستخدمين وإحساساً حقيقيا، وبتواصل حقيقي افتراضي في بيئات مشابهة تماماً للبيئات في الواقع، كما تتم فيها أنواع التعاملات المختلفة كالاتصالات والدفع وغيرها.

ذكر ماي ستاكيديز أن ميتا فيرس هو عالم ما بعد الواقع، يتم فيه دمج الواقع المادي مع البيئات الافتراضية بشبكة متصلة تضم تفاعلات مستمرة ومتعددة الأشخاص.

تقوم ميتا فيرس على أنواع معقدة ومتداخلة من تكنولوجيا الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR) والخليط (MR) وتشكل معاً مزيجاً يكون ما يسمى بالواقع الممتد (XR) وبالاعتماد على تقنيات ثلاثية الأبعاد لتكوين كائنات افتراضية تتكامل بشكل وثيق مع المحسوسات المادية والبشرية، وتتداخل معها أيضاً تقنيات الذكاء الاصطناعي وانترنت الأشياء والرؤية الحاسوبية ومستشعرات حسية وتقنيات أخرى كالبلوكتشين لضمان تخزين البيانات والتعامل معها بما يضمن الحماية والخصوصية للمستخدمين.

في بحث عن الميتافيرس هناك ثماني تقنيات أساسية تقوم عليها ميتا فيرس تشمل الواقع الممتد وتفاعل المستخدم والروبوتات والذكاء الاصطناعي وما يرتبط بها من تقنيات أخرى.

من المميزات الرائعة في الميتافيرس الصور الرمزية المعبرة عن شخصية المستخدم (Avatar) حيث تتيح للمستخدم اختيار ما يرغب فيه دون حدود معينة في رسم شخصية تعبر تماماً عن صاحبها.

ومن ناحية أخرى فإن القلق بشأن ما يمكن أن تتسبب به الميتافيرس من السلبيات تتمثل أبرزها في:

- الخصوصية، هي التهديد الأكبر الذي قد تقتحمه ميتا فيرس، فلا مكان هناك للاختباء والحفاظ على الجدران المغلقة فبيانات الأشخاص أصبحت ملكاً للجميع شاؤوا أم أبوا، ولكن قد تساعد قوانين الخصوصية ووجود المعايير الصارمة على الشركات إلى تجنب المشكلات العميقة في هذه النقطة.

- الانعزال، هو الآخر قد يشكل ضرراً حقيقياً على الأفراد والمجتمعات في الواقع المادي، فقد يصبح كل شخص يعيش في عالمه الميتا فيرسي وينسى عالمه الواقعي وربما لن يجيد التعامل مع الواقع بمرور الوقت.

-الخوف من انهيار الأخلاق والتعرض لجرعات عالية من الإباحية والجنس قد تدمر على المدى الطويل مبادئ وأخلاق الجيل، وينشأ بالتالي جيل لا يعلم الفرق بين العلاقات وأيها حلال أو حرام، وهنا يأتي دور كل مربي وتربوي في السباق نحو بناء ثقافة ووعي وإدراك، وكذلك بناء ميتا فيرس يناسب أخلاق، وتوجهات، وثقافة الأمة، والوطن.

الميتافيرس والعسكر

وفي عصر الميتافيرس العسكري يتم استخدام أدوات الجذب القوية بشكل تمثيلي درامي ومحاكاة الواقع، أثناء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإحداث الانتشار الفيروسي وإصابة العدو في آلته التكنولوجية عبر توجيه ضربات قوية لبرامجه الالكترونية وشبكاته السيبرانية، وكذا جذب الحشود الضخمة وإثارتهم وتحفيزهم للمشاركة في بناء نظام قوي يسمح بإحداث التأثير المطلوب.

ويحقق الميتافيرس فضاءً تعليمياً متقدماً، وهو ما يسهم بشكل فعال في إعداد المقاتل المؤهل بمواصفات عالية وجاهزية كبيرة حيث تتوفر له فرص تعليمية افتراضية موزعة ومترابطة عالية الجودة مصممة خصيصاً لقدراته الشخصية، في أي مكان وزمان، كما يمكن أن يستفيد من بعض تطورات الواقع المختلط في التعليم سواء المدني أو العسكري.

قالت شركة Meta إنها تأمل أن تصل ميتا فيرس إلى أكثر من مليار شخص خلال العشر سنوات المقبلة، بينما أخبر مؤسس شركة Novaquark أن العقدين المقبلين سيكونان مفتاحاً لتنفيذه، وقال إن اعتماد الأصول الرقمية يأتي بشكل أساسي في أعقاب نمو الإنترنت في التسعينيات، إن اعتماد التجارب التي يولدها المستخدمون مرتبط بجيل من الأشخاص الذين جربوا إبداعاً قوياً عبر الإنترنت.

يبدو أن الانسان مستقبلاً سيعيش حياة ثانية وثالثة في عوالم افتراضية، ولطالما حلم الانسان بالانعتاق من فكرة الزمان والمكان... فهل بات الانسان يعيش حلمه واقعاً في زمن الميتافيرس والذكاء الاصطناعي أو سيعيش الكوابيس واقعاً؟


الكاتب:

نسيب شمس

-كاتب وباحث سياسي




روزنامة المحور