الجيش ورقة مقامرة يتناوبها اليمين والمعارضة!

المظاهرات وانقسام جيش الاحتلال

التدريج في الإقرار، المناورة وكسب الوقت، والظهور كالمنفتح على "الحوار" مع المعارضة، ليست الا "ألاعيب" رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ومعه أحزاب اليمين الديني المتطرّف، لتمرير مخطط السيطرة على الجهاز القضائي وتقويض صلاحيات المحكمة العليا، تمهيدًا للسيطرة على كامل مفاصل الكيان الإسرائيلي. فيما تتوسّع الحركة الاحتجاجية للأسبوع التاسع والعشرين على التوالي، وتحاول المعارضة اللعب بالأوراق "الخطرة" للضغط على الحكومة. فبات جيش الاحتلال "كبش الفداء" بالنسبة للجهتين، فيكون بالتالي وجود "إسرائيل" كلها موضع تهديد.  

فشلت "مفاوضات" الربع ساعة الأخيرة قبل جلسة "الكنيست" المخصصة لإقرار "قانون إلغاء سبب المعقولية" بالقراءة الثانية والثالثة، بعد إقرار هذا "القانون" بالقراءة الأولى في الأشهر الماضية. وعشية الجلسة المنعقدة في الرابع والعشرين من شهر تموز / يوليو 2023، نزل حوالي نصف مليون مستوطن معارض للتعديلات القضائية في مختلف الشوارع الرئيسية في الداخل الفلسطيني المحتل، وخاصة في "تل أبيب" والقدس المحتلّة. وقد نصب بعض المتظاهرين الخيم الاحتجاجية على طريق "الكنيست".

فيما نزلت مظاهرات مؤيدة لليمين المتطرّف وللتعديلات القضائية في القدس خاصة. وهنا قال وزير القضاء ياريف ليفين خلال إحدى المظاهرات لأنصار اليمين في "كابلان" بـ "تل أبيب": "نحن أمام قرار مهم- هل سنصبح دولة ديمقراطية أم دولة تسيطر عليها مجموعة من الضباط بقيادة إيهود باراك، نحن لن نتنازل". ورفض حزب "الليكود" تجميد التعديلات لأكثر من 3 أشهر حين طالبت المعارضة بالتوقّف 15 شهرًا.

انقسام حاد في الجيش: الامتناع عن الخدمة دعمًا أو تنديدًا للتعديلات القضائية

أمام استمرار تعنّت الحكومة مع عدم اكتراثها بإغلاق المتظاهرين للطرق ووقوع الاشتباكات مع الشرطة، تمعن المعارضة في تحريض الجيش مما خلق انقسامات حادّة في صفوفه. نشر الإعلام العبري رسالة لـ 1142 ضابط احتياط، وقّع عليها 3 من رؤساء أركان الجيش سابقًا، و3 من رؤساء جهاز "الموساد"، و3 من جهاز الأمن العام "شاباك"، بالإضافة إلى مئات الجنرالات والضباط يُعلنون فيها رفضهم مواصلة الخدمة العسكريّة في ظلّ ما وصفوه بـ "حكومة ديكتاتوريّة".

الا أنّ رفض الخدمة لم يعد تقتصر فقط على وحدات الاحتياط، إنّما لفت المحلل في "القناة 12" العبرية نير دفوري أن "الأزمة تتسرّب الى الجنود النظاميين والدائمين، اذ بدأ الحديث عن خرقهم العهود، والجيش قلق من هذا وبدأ يستعد لحالة تدني بالكفاءة وتحديدًا في أمان وسلاح الجو".

كذلك نقل الصحفي ومراسل "يديعوت أحرونوت" تسور شيزاف أثناء تغطيته لمظاهرات المعارضة في مطار "بن غورين" أنّ بعض جنود الشرطة أعربوا عن رغبتهم بالامتناع عن الخدمة والالتحاق بالمظاهرات.

في المقابل فإنّ جنودًا آخرين هددوا بعدم الذهاب الى الخدمة في حال توقفت التعديلات القضائية، بتحريض من اليمين المتطرّف. ووصف "شيزاف": "توجد صدوع". وصل الجيش الى اختلافات عميقة تهدّده على أكثر من صعيد، وقد شرح المحللون "الإسرائيليون" بعضًا منها.

غياب خبرة الاحتياط يضرّ بالقدرة العملياتية و"تماسك" الجيش

من ناحية الامتناع عن الخدمة، وإنّ كانت لدى وحدات الاحتياط، فقد علّق المحلل العسكري في موقع "واي نت" العبري، رون بن يشاي، أنّ الرسالة التي كتبها ضباط الاحتياط "من شأنها أن تسبّب ضررًا حقيقيًا للقدرات العسكريّة الإسرائيليّة في غضون أشهرٍ قليلة"، لافتًا الى أنّ "الموقعين إذا كانوا بالفعل من ضباط الاحتياط النشطين فيمكن الافتراض أنّ رفضهم في الحضور للخدمة سيضرّ بالمؤسسة العسكرية في ثلاث مجالات: القدرة العملياتية، والاعتبارات العملياتية، وتماسك الجيش".

وتابع إنّ "الكفاءة التشغيلية ستضعف لأنّ معظم الموقعين على الرسالة هم أشخاص لديهم خبرة في 30-40 من أعمارهم ويخدمون في مناصب قيادية مختلفة. بعضهم الطيارون الأكثر خبرة ومهارة، والبعض الآخر هم قادة الطاقم في الوحدات الخاصة للقوات الجوية وفي مناصب التخطيط والإدارة التشغيلية في مركز التحكم في القوات الجوية".

وشرح أنّ غياب هؤلاء مع الخبرة التي يمتلكونها أو إقصائهم  من قبل الحكومة أو رئاسة الأركان يهدّد حياة الجنود الشباب، اذ إنّ "المهام يجب أن تنفذ تحت نيران ثقيلة من مضادات الطائرات يخوضها طيارون شباب وأقل خبرة، ويحتاجون الى طيار كبير وذو خبرة يكون بجانبهم ليوجههم بطريقة التعامل مع المواقف غير المتوقعة والمعقدة"، مشيرًا الى أهمية الخبرة في مهمات الجيش، كونها "عامل حاسم في قدرة القوات الجوية على العمل، وغياب المتطوعين للخدمة الاحتياطية – وهم الأكثر نضجاً وخبرة – سيكون ملحوظاً للغاية وقد يكلفنا غاليًا".

يأتي هذا التحليل أيضًا في ظل زعم وزيرة المواصلات ميري ريغيف الداعمة للتعديلات القضائية أنّ "السجن هو مكان الرافضين للخدمة العسكرية".

"في كلّ جدال سنسأل: من سينجح في أن يجند من داخل صفوف الجيش ما يكفي من القوة لتحقيق نصر محلي، على حساب الجيش نفسه؟"

كشفت التعديلات القضائية عن عدّة أزمات عميقة عانى منها هذا الكيان، بسبب تركيبته غير المنسجمة، منذ أن احتلّ أرض فلسطين في العام 1948. فعلى عكس ما حاولت الحكومات والأحزاب السياسية التي تعاقبت على الحكم في هذا الكيان تكريسه بالشأن الجيش، باعتباره الصرح "المقدّس" و"جيش الشعب" الذي يعمل  الجميع من أجله. فإنّ كلّ تلك الدعايات لم تتحقق واقعًا، بل تحوّل الجيش الى كرة يقذفها كل طرف في ملعب الآخر لإحداث الضغط.

هذا ما شرحه الكاتب "الإسرائيلي" عوفر شيلح، في مقاله في صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية. وذكّر بما نشره منذ 20 عامًا عن نظرية "تفكك جيش الشعب" الذي "لم يعد مصدر وحدة، الخدمة فيه أصبحت حجة مريرة يضرب بها جمهور آخر في إطار حرب "القبائل الإسرائيلية"، في كل جدال جوهري سيكون السؤال من سينجح في أن يجند من داخل صفوف الجيش ما يكفي من القوة لتحقيق نصر محلي، على حساب الجيش نفسه وفي ظل الحاق ضرر للأجيال، جيش كهذا لا يمكنه أن يكون جيشًا، لا للشعب ولا للدولة".

وأضاف "الذنب ملقى كله بكامله على الحكومة الحالية، خليط مستحيل من التطرف، انعدام المسؤولية والفوضى قاد نتنياهو، إسرائيل والجيش إلى هذا الوضع. لكن أيضًا من يعمل ضدهم استخدموا الجيش كوسيلة. ويجب أن يعترفوا بضرر الفعل ذاته، ومهما كانت النتيجة، لن يعود الجيش إلى ما كان عليه، سيتطلب إعادة تأسيس من جديد، وحتى لو كان ذلك ممكنًا، فسوف يستغرق أجيالًا".

"لا شراكة أو توافق من أجل المصلحة العامة بل حسم لصالح طرف"

شرح الكاتب أيضًا أنه "في 75 سنة لم نتمكن من أن نخلق هنا روح الشراكة المدنية التي تترك مكانًا لاختلافات الآراء والثقافات وتدفع إلى التوافق في صالح العموم، لا يوجد في إسرائيل بديل لـ "فكر القوة"، والذي بموجبه الأمر الوحيد الهام هو القتال ضد من يأتون لاجتثاثنا، كل أمر نفعله مهما كان عنيفا وفظا قاسيا مبررًا، الاعتراف بالآخر وبوجهة نظره هو ضعف يجب احتقاره، ولخلافات الرأي يوجد حل واحد، "حسم في صالحي"، لأجل أن نتعرف على ذلك يكفي أن نخرج إلى الشارع أو إلى الطريق".

الجيش ميدان الصراعات الداخلية

وتابع "ليس عجيبًا أن الجيش الإسرائيلي، أصبح بشكل لا مفر منه ميدان المعركة حتى في الصراع الداخلي، إذا كانت اللغة الوحيدة هي الحسم والطريق الوحيد هو القوة، فأين سنجري استيضاحنا الجماهيري إن لم يكن في الجيش، ولأول مرة في الـ 75 سنة تكون هذه المعركة علنية ومنفلتة، هدم الجيش الإسرائيلي نفسه هو فقط، ضرر جانبي".

أقرت التعديلات القضائية أم لم تقر في المرحلة الحالية، أو أقرت على دفعات، فإنّ الأزمات الداخلية في الكيان ليست متعلّقة بمثل هذه الإجراءات، إنّما وصلت الأطراف المتناحرة الى طريق مسدودة الأفق في "التعايش" تحت مظلّة هذا الكيان.  


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور