الجمعة 08 أيلول , 2023 04:29

قمة مجموعة العشرين: عندما يكون غياب الصين هو الأكثر حضورًا

جين بينغ وبوتين

زينب عقيل

في قمم العالم، يكون الغياب أحيانًا هو أفضل طريقة للزعماء لتوصيل الرسائل، بدلًا من إملائها مباشرةً، وهو أفضل طريقة لجذب الانتباه. الغياب المتوقع للزعيم الصيني شي جين بينغ عن المنتدى الأول للتعاون الاقتصادي الدولي، هو سابقة تاريخية في ظلّ صمت مطبق عن السبب. والزعيم الروسي فلاديمير بوتين سيتغيّب، وغيابه سيحرم الحاضرين في مجموعة العشرين من فرصة مناشدته لإنهاء حرب أوكرانيا والضغط عليه لإعادة التفكير بإتفاق الحبوب.

الواقع أن أهمية تجمّع مثل مجموعة العشرين، يكمن حقًا في الحضور الشخصي لرؤساء الدول والحكومات، مقارنة بتجمعات صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي على سبيل المثال، والتي لديها بيروقراطيات ضخمة تعمل بغض النظر عن أي شيء، و"العمل الحقيقي في تجمع متعدد الأطراف مثل مجموعة العشرين هو في الاجتماعات الثنائية والخاصة"، يقول بروس جونز، وهو الآن محلل للشؤون الخارجية في معهد بروكينغز. "إنه المكان الذي يتم فيه إبرام الصفقات الحقيقية. ولا يمكنك فعل ذلك إذا لم تكن هناك".  والحقيقة أن رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ الذي سيمثل الصين الشيوعية، وسيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي، ليسا هما الشخصان اللذان سيجذبان الانتباه في هذه القمة التي تعقد في نيودلهي. يقول مسؤولون أمريكيون في أحاديث خاصة إن لافروف لا يتمتع بسلطة فعلية تذكر في النظام الروسي، لكنّ بوتين "يعرف أنه شخصية مفيدة للهرولة على المسرح العالمي، وسواء أعجبهم أم لا، فإن لافروف دبلوماسي ماهر". ومن المرجح أن يحاول لافروف عرقلة أي محاولة لصياغة بيان رسمي لمجموعة العشرين يدين الكرملين بسبب الحرب على أوكرانيا.

بالنسبة لهيئة تأسست لإيجاد توافق في الآراء بين أقوى دول العالم، فإن غياب العملاق الاقتصادي الصيني من شأنه أن يهزّ مكانتها كمنتدى قيادي عالمي بارز. خاصةً أنه ثمة الكثير من التصدعات بين الأعضاء. وبعد أشهر من الجهود الفاشلة التي بذلتها المنتديات الوزارية المتعددة للمجموعة للتوصل إلى استنتاجات مشتركة بشأن موضوعات تتراوح من الرعاية الصحية إلى تغير المناخ، بسبب الخلافات حول الحرب في أوكرانيا وتقاسم الأعباء بين الدول الغنية والنامية. وبعض المراقبين من الهند مقتنعون بأن الصين تريد إفشال القمة خاصة في ظلّ الاحتكاكات الحاصلة على الحدود المتنازع عليها.

الرئيس بوتين، مثله مثل غيره من زعماء العالم، يتخطى أحيانًا التجمعات العالمية الكبرى. لكن بدون وجود بوتين نفسه هناك، قد تضطر الدول القلقة بشأن إمداداتها الغذائية إلى النظر إلى ما بعد نهاية هذا الأسبوع بحثا عن حل. خاصة أنّ بوتين سيكون مشغولًا في هذا الوقت إذ يستضيف المنتدى الاقتصادي الشرقي، الذي يبدأ يوم الأحد في فلاديفوستوك. والذي يمكن أن يكون مكانا لعقد اجتماع بينه وبين الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الذي تزعم الولايات المتحدة أنه يريد تزويد روسيا بالأسلحة لحرب أوكرانيا.

يمكن التنبؤ بكل سهولة ماذا سيقول قادة ما يسمى الغرب الجماعي في هذا النوع من القمم. وهي على الرغم من أنها اقتصادية وليست أمنية، إلا أنه من المتوقّع أن يؤكد بايدن على نهج الولايات المتحدة المتفوّق على الصين تجاه النظام العالمي، وسيتحدّث عن القضية الأوكرانية نيابة عن زيلينسكي الذي لن تتم دعوته كي يتسوّل كما العادة في القمم. وسيفعل مثل بايدن جاستن ترودو وماكرون وريشي سوناك. أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الوسيط المنتظم كما العادة للعديد من قادة العالم في القمة، فهو الأقل قابلية للتنبؤ، لكن إذا احتاج أيما زعيم لوساطة مع بوتين، كان يمكن لأردوغان أن يفعل ذلك.  لكن ماذا عن محمد بن سلمان، بالطبع لن يجرؤ أحد من القادة الغربيين المأزومين اقتصاديًا أن يقوم بنبذه باعتباره دكتاتورًا قتل صحافيًا بسبب تغريدة. كما أنه وزعماء الغرب المتملقين سيستخدمون المنتدى الاقتصادي لدفع التطبيع مع إسرائيل.

الواقع أنّ غياب الصين بالدرجة الأولى من شأنه أن يقوّض جدوى ونجاح مجموعة العشرين على المدى الطويل. خاصة أن ثمّة الكثير من القضايا التي لا يمكن مناقشتها بغياب الرئيس شي جين بينغ كممثل عن التنين الصيني حصرًا، مثل مفاوضات إعادة هيكلة الديون مثلًا، وتنسيق استجابة متظافرة الجهود لأزمة التضخم العالمية، كما حصل عامي 2008 و2009.


الكاتب:

زينب عقيل

- ماستر بحثي في علوم الإعلام والاتصال.

- دبلوم صحافة.

- دبلوم علوم اجتماعية. 




روزنامة المحور