الخميس 28 كانون الاول , 2023 11:14

لماذا تحول موقف ماكرون من دعم تل أبيب إلى إدانتها؟

إمانويل ماكرون من الدعم إلى الإدانة

كان من أوائل الذين زاروا "إسرائيل" بعد طوفان الأقصى، وأضاء برج إيفل دعماً لها في حربها على غزة، واليوم يقول لهم "يجب على إسرائيل أن تتوقف عن قتل الأطفال والنساء وكبار السن في غزة، لا يوجد مبرر للقصف". انتقل ماكرون في غضون ليلة وأخرى من داعم ل"إسرائيل" إلى جامع تبرعات من أجل غزة، وهدأت نبرته المؤيدة للاحتلال، وخرجت تصريحاته نسبياً عن الاصطفاف الأوروبي.

منذ اليوم الأول لطوفان الأقصى سارع ماكرون بدعم "إسرائيل" في الدفاع عن نفسها، مع حظر التجمعات المؤيدة لفلسطين في جميع أنحاء فرنسا، ولم يكتفِ بذلك بل اقترح تشكيل تحالف دولي ضد حركات الفصائل الفلسطينية، على غرار التحالف الدولي ضد تنظيم داعش. لكن الدور الفرنسي المؤيد لكيان الاحتلال لم يستمر طويلاً، حيث تغير موقف ماكرون وأطلق تصريحات تعارض القصف الإسرائيلي للمدنيين، وبات يدعو القادة الأوروبيين والولايات المتحدة لدعم موقفه من أجل الضغط على "إسرائيل" لوقف إطلاق النار. استدعت تصريحاته رداً من ناتنياهو الذي وصفها بأنها مثيرة للجدل و"خطأ واقعياً وأخلاقياً فادحاً". فيما استضافت باريس مؤتمراً لجمع المساعدات الإنسانية من أجل الفلسطينيين، وتعهَّد ماكرون بتوفير تبرعات فرنسية بين 20 مليون يورو إلى 100 مليون يورو هذا العام.

لماذا تحول موقف ماكرون من دعم تل أبيب إلى إدانتها؟

سرّبت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية وثيقة تكشف أحد أسرار تحول ماكرون، بسابقة في تاريخ الدبلوماسية الفرنسية، حيث كتب 12 سفيراً فرنسياً في الشرق الأوسط ومنطقة المغرب العربي مذكرة جماعية وقعوا عليها وأرسلوها إلى قصر الإليزيه، ووزارة الخارجية الفرنسية، تتضمن الوثيقة تحذيرات بشأن الموقف الرسمي للبلاد. قدّم السفراء اعتراضاً صريحاً على دعم ماكرون غير المشروط ل"إسرائيل" واتهموا فرنسا بالتواطؤ في أعمال الإبادة الجماعية في غزة. وبسبب ذلك تعرض أحد السفراء الفرنسيين لتهديد بالقتل.

ليست الرسالة وحدها ما يفسر دوافع ماكرون في مراجعة موقفه، فالانقسام في المجتمع الفرنسي له دور كبير، فتجاذبات التيارات السياسية الفرنسية دفعت ماكرون إلى تحويل موقفه من التيار اليميني المتطرف بزعامة ماري لوبان الذي يدعم حق "إسرائيل" في الدفاع عن نفسها، إلى التيار الثاني اليساري الذي يتشكل من الأحزاب الاشتراكية والذي يدعو إلى ضرورة تحقيق هدنة إنسانية، وإدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة، واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني خلال المواجهات العسكرية، والتي تمنع استهداف المدنيين. هذا الانقسام ليس فقط بين أحزاب اليمين واليسار وإنما يمتد إلى الطوائف الدينية أيضاً، ففرنسا تحوي أكبر جاليتين يهودية وعربية مسلمة في أوروبا، نصف مليون يهودي وستة ملايين مسلم يعيشون على أرضها وفي سياق أحداث 7 أكتوبر، أُشعلت التوترات في الداخل الفرنسي خصوصاً بعد إعلان ماكرون دعمه غير المشروط ل"إسرائيل"، وخرجت المظاهرات المؤيدة للقضية الفلسطينية، وهو ما هدد بانقسامات عميقة في الداخل الفرنسي فتأرجح ماكرون بين عدم إغضاب المسلمين وعدم تنفير المجتمع اليهودي. وتفادياً من تنامي "الإسلاموفوبيا" و"العداء للسامية" في آنٍ واحد على الأراضي الفرنسية.

أخيراً، يحاول ماكرون استعادة نفوذ باريس الضائع لإعادة تأثيرها على الساحة العالمية من بوابة الشرق الأوسط، يأتي ذلك في إطار السياسة الاستراتيجية بالتمايز عن واشنطن، التي تتبناها باريس تحت قيادة ماكرون في محاولة لاستعادة إرث ديغول القديم، من بعد اصطفاف فرنسا بشكل كبير مع واشنطن منذ رئاسة ساركوزي. لكن ترى الكاتبة والباحثة الفرنسية "أنييس لوفالوا" أن "هذا السعي الحثيث وراء أحلام العودة إلى لعب دور خارجي أوسع، يُفقِد ماكرون وبلاده الكثير من المصداقية، خصوصاً حين نادى بتشكيل تحالف للقضاء على حماس"، وتضيف الكاتبة "لا تملك فرنسا أيضاً أي وسيلة حقيقية لتحقيق الحل الذي لطالما نادت به، وهو حل الدولتين".

لا يمكننا قراءة هذا التغير في الموقف الفرنسي الرسمي بوصفه رؤية إستراتيجية بقدر ما يمكن رؤيته على أنه تكتيكاً ناجماً عن الضبابية الكبيرة التي يعيش فيها ماكرون فيما يخص عدداً كبيراً من القضايا ومنها الملفات الخاصة بالشرق الأوسط.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور